محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1053
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
كذلك الحركات الاختيارية ثلاثة أنواع حركة فكرية وحركة قولية وحركة فعلية ؛ فإن استقامت الحركات الطبيعية على نهج تصريف الملائكة استقامت الصورة الإنسانية في هذا العالم ، وإن استولت عليها علّة أو مادّة خرج المزاج عن حدّ الاعتدال وصارت الصورة الجسمانية ناقصة في هذا العالم ؛ وإن استقامت الحركات الاختيارية على نهج تكليف الأنبياء استقامت النفس الإنسانية في ذلك العالم ؛ وإن غلب عليها رأي وهوى خرج العقل عن حدّ الاعتدال وخرجت النفس الروحانية ناقصة في ذلك العالم . فجميع تسبيحات الملائكة وتحميداتهم لتقويم الحركات الطبيعية حتّى تنزل الصورة الجسمانية مستقيمة إلى هذا العالم ؛ وجميع عبادات الأنبياء ودعواتهم لتقويم الحركات الاختيارية حتّى تصعد النفس الروحانية إلى ذلك العالم . الأمشاج الطبيعية في ابتلاء الملائكة حتّى يكون المولود سميعا بصيرا في هذا العالم ، والأحكام الشرعية في ابتلاء الأنبياء حتّى يكون المكلّف ( 431 ب ) مؤمنا شكورا في ذلك العالم ، والملائكة يبتدئون بالسلالة طورا بعد طور حتّى تصل إلى كمال الفطرة : خَلْقاً آخَرَ والأنبياء يبتدئون بالأسامي ، فدورا بعد دور حتّى تصل إلى كمال المعاني : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ . فواجب الإيمان باللّه تعالى وملائكته الذين هم على النشأة الأولى ، وكتبه ورسله الذين هم على النشأة الأخرى ، ليتمّ الإيمان بالمبدأ والمعاد وتحصل للمؤمن سعادة الدارين . وسرّ آخر : أنّ هذه الآية نزلت ليلة المعراج حين رأى رسول اللّه آيات ربّه الكبرى ، وسمع كلمات ربّه العليا ؛ فآمن بما أنزل إليه من ربّه تصديقا بالآيات والكلمات عن رؤية وسماع ؛ فكان إيمانه إيقانا . ثمّ المؤمنون لمّا قالوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا اقتدوا به - عليه السلام - في الإيمان تصديقا بالآيات والكلمات عن سمع وطاعة ، وكان إيمانهم أيضا إيقانا فكأنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أيقن ثمّ آمن ، وكأنّ المؤمنين آمنوا ثمّ أيقنوا ؛ وفرق بين إيمان صدر عن إيقان وبين إيقان صدر عن إيمان ، بصيرة عن تسليم وتسليم عن بصيرة . وسرّ آخر : التفريق بين الرسل قد يكون على جهة التضادّ : [ وليس ثمّ تضادّ ] لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ بل كلّهم متصادقون متوافقون على كلمة واحدة ، وقد يكون التفريق